شوارع باريس تعيد ذاكرة بيروت

Navigation

شوارع باريس تعيد ذاكرة بيروت

من الاحتجاجات الطلابية في فرنسا عام 2026 إلى المظاهرات في بيروت خلال سبعينيات القرن الماضي وانتفاضة عام 2019 – تأملات لكاتبة لبنانية تعيش في باريس حول الشباب والمقاومة والوطن الذي نشتاق إليه.
Iman Humaydan
Bildunterschrift
Iman Humaydan

إيمان حميدان، ولدت في عين عنوب في لبنان، ودرست علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في الجامعة الأمريكية في بيروت. نشرت خمس روايات وقصص قصيرة متنوعة وسيناريوهات مكتوبة، وتُرجمت جميعها إلى لغات عالمية. تتيح للنساء في رواياتها أن يكون لهن رأيهن وأن يروين قصصهن الخاصة. حصلت روايتها الرابعة "50 غراماً من الجنة" على جائزة كتارا (قطر) عام 2016. تقوم بتدريس اللغة العربية والكتابة الإبداعية في جامعات أوروبا وأمريكا الشمالية، وتعد مادة الكتابة الإبداعية التي قامت بتدريسها في جامعة سانت دينيس في فرنسا أول مادة من نوعها تدرس باللغة العربية حول الكتابة الإبداعية. كانت حميدان عضوًا في لجنة تحكيم الجائزة العالمية للرواية العربية IPAF 2022. وهي أحد مؤسسي مركز القلم اللبناني، الذي ترأسته من 2015 إلى 2022، وعضو مجلس إدارة مؤسسة القلم الدولية من 2017 إلى 2023.
تعمل حالياً على كتابة روايتها السادسة وتعيش في بيروت وباريس.
وهي مؤلفة ومحررة ومحررة لغة @literatur.review.n.

  منذ أن بدأت احتجاجات الطلاب في فرنسا، في أيلول الماضي، وجدتني أعود إلى أسئلة قديمة ظننت أنني ابتعدت عنها بما يكفي، أو أن الزمن منحني مسافة أستطيع من خلالها النظر إليها بهدوء أكبر. أتابع صور الشباب في الشوارع، أقرأ الشعارات التي يرفعونها، وأحاول أن أفهم ما الذي يدفعهم إلى الخروج، وما الذي يريدون تغييره، وما الذي يخشون خسارته. هنا لا أرى الحاضر وحده، بل أيضاً وجوهًا من الماضي، وشوارع أخرى، وأصواتًا ارتفعت في أماكن مختلفة من العالم، ثم بقي صداها فينا حتى بعد أن خفتت.
من الصعب التعامل عمّا يجري في باريس بوصفه حدثًا فرنسيًا راهنًا فحسب. أجدها تستدعي لديّ أزمنة متباعدة، وتجارب شخصية وجماعية، وأسئلة لم تفقد تأثيرها.  ماذا يعني أن يكون الإنسان شابًا في زمن مضطرب، وما الذي يدفع جيلًا إلى الاعتقاد بأن العالم الذي ورثه لم يعد قابلًا للحياة؟  ثم هل يتغير معنى الاحتجاج بتغيّر الأزمنة، أم أن ما يتغيّر هو اللغة التي نعبّر بها عن الغضب والأمل والخوف؟
أعود إلى أيار ١٩٦٨ في فرنسا، إلى تلك اللحظة التي خرج فيها طلاب جامعة نانتير إلى الشوارع، قبل أن تتسع الحركة وينضم اليها طلاب فرنسا كافة، وتتحول إلى أزمة اجتماعية وسياسية شملت قطاعات واسعة، لتصل إلى إضرابات عمالية كبرى. لم تكن الانتفاضة مجرد اعتراض على أوضاع جامعية، بل كانت هناك رغبة في مساءلة النظام الاجتماعي والسياسي في فرنسا والعالم، وفي إعادة النظر في السلطة والعلاقات بين الأجيال.

أيار ٦٨ هو أكثر من ذكرى تاريخية. صار رمزًا لجيل أراد أن يفتح الأبواب المغلقة، وأن يختبر حدود الممكن، وأن يعلن أن العالم كما هو ليس قدرًا ثابتًا. لكن الذاكرة، حين تستعيد تلك اللحظة، قد تميل إلى تحويلها إلى صورة مكتملة، وإلى نسيان التناقضات التي رافقتها، والآمال التي تحققت جزئيًا، والأخرى التي خابت.
أفكر في المسافة التي تفصل احتجاجات اليوم عن جيل أيار ٦٨، إذ لكل جيل ظروفه الخاصة، وأزماته، ومصادر قلقه. لا يمكننا أن نضع التجربتين في إطار واحد، أو أن نفترض أن التاريخ يعيد نفسه بالمعنى الحرفي. لكن هناك لحظات في التاريخ يشعر فيها الشباب بأن اللغة المتاحة لهم لم تعد تكفي لوصف واقعهم، وأن الطرق المعتادة للتعبير عن مطالبهم لا تصل إلى أحد. عندها يصبح الشارع مساحة للقول، وربما مساحة لاختبار قدرتهم على أن يكونوا معًا.

سبعينيات بيروت (من القرن العشرين)

   أتابع مظاهرات الطلاب في فرنسا على مواقع التواصل، يحتجون مطالبين بتحسين أوضاعهم التربوية في المدارس والصفوف. هؤلاء ليسوا من نزل الى الشارع كي يسرق ويكسر ويحرق. لن أدع من أتى ليخرّب يمنعني من الايمان بعدالة مطالب الطلاب، ولا من رؤية كيف تحلّق معلمو المدارس، كذلك الإباء والامهات، ووقفوا ممسكي الايدي على شكل دائرة امام طلابهم بمواجهة رجال الامن، لحماية أولادهم من الاذى. ما أراه يردني الى ذاكرة ما زالت حية في وجداني. أعود بذاكرتي إلى لبنان وإلى التظاهرات التي عرفتها شوارع بيروت في السبعينيات. أعود إلى ذلك الإحساس الذي كان يرافقنا حين كنا نخرج إلى الشارع حاملين أفكارنا وأسئلتنا، ومقتنعين، بدرجات متفاوتة، بأن المشاركة يمكن أن تغيّر شيئًا في الواقع الذي نعيشه.
كانت بيروت يومها مدينة تتجاور فيها الحيوية الثقافية مع التوتر السياسي والاجتماعي. كانت النقاشات حاضرة في الجامعات والصحف والمقاهي والبيوت، وكانت الأسئلة المتعلقة بالعدالة والحرية والمساواة ومستقبل البلد جزءًا من حياتنا اليومية. لم تكن السياسة بعيدة عن تفاصيل الحياة، بل كانت تتسلل إلى قراراتنا وعلاقاتنا، وإلى الطريقة التي نفهم بها أنفسنا وموقعنا في المجتمع.
لم تكن مشاركتنا في التظاهرات تعني أننا نعرف الطريق إلى المستقبل، أو أننا نتفق دائمًا على صورته. كنا، مثل كل جيل، نحمل اختلافاتنا وتناقضاتنا، ونحاول أن نوفّق بين ما نؤمن به وما تسمح به الظروف. لكن الخروج إلى الشارع كان يمنحنا شعورًا بأننا لسنا وحدنا، وأن ما يقلقنا ليس شأنًا فرديًا، وأن الكلمات التي نتبادلها في النقاشات يمكن أن تجد طريقها إلى المجال العام.
أستعيد اليوم تلك اللحظات من مسافة زمنية طويلة. أعرف ما الذي حدث بعد ذلك، وكيف دخلت الحرب حياتنا وغيّرت المدن والعلاقات والأحلام، وأصبح ما بدا يومًا ممكنًا، مهددًا أو بعيد المنال. لكنني لا أريد أن أقرأ الماضي من نهايته وحدها، ولا أن أختزل تجربة جيل كامل في ما آلت إليه الأحداث لاحقًا. لم تكن الحياة التي عشناها مجرد مقدّمة لما حدث بعد ذلك. كانت حياة كاملة فيها الرغبة في التغيير، وفيها الصداقة والحب والعمل والكتابة، وفيها إيمان بقدرة الإنسان أن يشارك في صياغة العالم.
رغم الحرب في بيروت وما اتى بعدها، بقيت الكتابة الصحفية في الثقافة والأدب والفن، أكثر من مجرد عمل؛ كانت جزءًا من مشروع أوسع لوطن يتّسع للحرية والاختلاف، ولحياة لا يحكمها الخوف. ومن خلال الكتابة، كما من خلال أنشطة أخرى انخرطتُ فيها، كنت أحاول أن أشارك في بناء هذا الوطن الممكن، أو على الأقل أن أحافظ على صورته حيّة في الحلم وفي الذاكرة. لم تكن الكتابة منفصلة عن أسئلتنا عن المجتمع، ولا عن رغبتنا في أن نرى لبنان مختلفًا عمّا كان عليه. كانت الثقافة والأدب والفن مساحات يمكن أن نتخيّل فيها حياة أخرى، وأن نعبّر عن تناقضاتنا، وأن نفتح نافذة على ما لا يسمح به الواقع. كانت الكتابة، في بعض لحظاتها، وسيلتنا لمقاومة الشعور بالعجز، وللتمسك بفكرة أن الوطن ليس مجرد حدود وجغرافيا، ما نعمل كي يصبح أكثر عدلًا واتساعًا للجميع
خلال سنوات الحرب، عرفتُ معنى التنقّل في مدينة مقسّمة لم يعد بالإمكان الاطمئنان إلى شوارعها، ومعنى أن يصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية. لم يكن الخوف مرتبطًا بالخطر وحده، بل أيضًا بعدم معرفة ما الذي ينتظرنا في الطريق، وما إذا كنا سنصل إلى المكان الذي نقصده، وما إذا كانت الحياة التي نحاول الحفاظ عليها ستبقى ممكنة.
كنت أظن أن مغادرة بيروت والابتعاد عن تلك السنوات سيضعان مسافة كافية بيني وبين ذلك الشعور. لكن الخوف لا يبقى في المكان الذي عرفناه فيه أول مرة. أحيانًا يعود إلينا في مدينة أخرى، في لحظة عابرة، دون أن نعرف تمامًا ما الذي استدعاه.
+++

   اليوم، في أحد شوارع باريس، داهمني ذلك الخوف الذي أعرفه، وإن كان أقل حدّة من الخوف الذي عرفته في بيروت. ليس بالضرورة خوفًا من خطر محدّد، بل خوفاً من أن تفقد المدينة روحها. هذه المدينة بالنسبة لي، هي مدينة أيار ١٩٦٨ وروحه، ولا أستطيع ان اراها غير ذلك. خفت من أن يتكرّر الفقدان، وأن أجد نفسي مرة أخرى أمام احتمال خسارة مكان جديد. 
صار من الصعب لي رؤية الاحتجاجات بوصفها أحداثًا سياسية فحسب. بل رحت أتابعها بقلق من تعرف أن الشعور بالأمان ليس أمرًا مضمونًا إلى الأبد، وأن المكان الذي نختاره للعيش والتعبير، قد يغدو هشّاً كحيواتنا. حين كنت أشاهد الشاب اليافع، الذي اصبح شخصية عامة على مواقع التواصل الاجتماعي، 
علوان بنوا، Elwan Benoît   
وهو يتحدث الى الصحافة ويعبّر عن غضب جيله المشروع، وخوفه على المستقبل، انتابتني مشاعر متناقضة: تضامني مع طلاب المدارس واقتناعي بحاجتهم الى تغيير العالم الذي يعيشون فيه، يقابله شعور قوي وملح الى التفتيش عن مكان بعيد وأمِن أقضي بقية عمري فيه.  

تشرين بيروت ٢٠١٩

أجدني أعود إلى تشريننا في بيروت وأنا أتابع الاحتجاجات في باريس. لا لأن ما يحدث هنا امتداد لما حدث في بيروت، ولا لأن بين الحركتين علاقة مباشرة، بل لأن الذاكرة الشخصية لا تعمل وفق الحدود السياسية والجغرافية. يكفي أحيانًا أن أرى شبابًا دون العشرين يحتلون ساحة، أو يرفعون لافتة، أو يواجهون السلطة بأسئلة لا يريدون التراجع عنها، حتى تستيقظ في داخلي صور من مكان آخر وزمن آخر.
جاء تشرين الأول ٢٠١٩ في لبنان، وأعاد إلى الشوارع أصواتًا ظنّ كثيرون أنها خفتت، أو أن التعب الذي خلّفته خيبات ما بعد الحرب سيمنعها من العودة. بدأت الانتفاضة وسط أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة، وكان اقتراح فرض ضريبة على مكالمات تطبيق واتساب من بين العوامل المباشرة التي أشعلت الغضب. لكن الخروج إلى الشارع لم يكن اعتراضًا على ضريبة صغيرة فحسب، بل تراكمًا طويلًا من الغضب على الفساد، وعلى انهيار الخدمات، وعلى تدهور الأوضاع المعيشية، وعلى نظام سياسي بدا عاجزًا عن الاستجابة لمطالب الناس، أو غير راغب في ذلك، وعلى دولة هشة ضعيفة استعيض عنها بمجموعات مسلحة تفرض رأيها وتحل وتربط بكل شيء تقريبا لا سيما علاقة لبنان مع العالم وصورته في الخارج.
انتشر اللبنانيون في الساحات والشوارع، مع صور وكتابات تعبّر عما يريدون وما لا يريدون. بدا أن هناك شيئًا يتجاوز الحسابات السياسية المعتادة. خرج أناس من مناطق وخلفيات مختلفة، وارتفعت أصوات تطالب بالكرامة والمحاسبة وبحق الناس في حياة لا تستنزفها الأزمات المتلاحقة. وكان لافتًا أن كثيرين ممن شاركوا في ثورة ١٧ تشرين ٢٠١٩ لم يكونوا يتحركون من موقع الانتماء إلى تنظيم سياسي تقليدي، بل من شعور بأن ما يجري لم يعد قابلًا للاستمرار. قالوا كفى!
لم تكن الثورة خالية من التناقضات ولم تكن طريقها واضحة. فالثورات لا تحمل دائمًا برنامجًا موحدًا، ولا تتفق كل الأصوات التي تلتقي في الشارع. ثم أن الاعتراض لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تغيير بنية راسخة، ومع ذلك، فإن ما حدث في تشرين اللبناني ترك أثرًا لا يمكن تجاهله، لأنه كشف عن اتساع الهوّة بين الناس والنظام الذي يحكمهم، وأظهر أن الشعور بالعجز قد ينقلب، في لحظة ما، إلى رغبة في استعادة المبادرة.

كان "للتشرين" اللبناني ٢٠١٩ سياقه الخاص، مثلما أن احتجاجات الطلاب في فرنسا لها أسبابها وظروفها. لكنني أجد نفسي أمام سؤال يتعلق بما تكشفه كل تجربة عن العلاقة بين الأجيال والعالم الذي تعيش فيه. متى يشعر الشباب بأن المؤسسات لم تعد تصغي إليهم؟ متى تتحول المطالب الفردية إلى شعور جماعي بأن هناك شيئًا أساسيًا ينبغي تغييره؟ وما الذي يجعل بعض اللحظات قادرة على جمع أشخاص مختلفين في مساحة واحدة، حتى لو لم يتفقوا على كل شيء؟
أعود الى تجربتي كشابة صغيرة في السبعينات، الى المظاهرات والاحتجاج في شوارع بيروت. ربما الفرق بين تجربتي في السبعينات وتجربة الشباب اليوم هو علاقتنا بالزمن. في ذلك الوقت وقبل اندلاع الحرب اللبنانية عام ١٩٧٥، بدا المستقبل بعيدًا ومفتوحًا، حتى عندما كانت الظروف صعبة. كنا نستطيع أن نتصوّر أن التغيير، مهما طال الطريق إليه، يظل ممكنًا. أما اليوم، يواجه الشباب قلقا كبيرا ومستقبلًا يزداد غموضًا، إذ عليهم أن يفكروا في أزمات متشابكة تتعلق بالعمل والسكن والمناخ والعدالة الاجتماعية والحروب والنزوح واللجوء، فضلا عن انعدام الثقة في المؤسسات وضعف القدرة على بناء حياة مستقرة. 
لا أقول إن جيلي كان أكثر أملًا، أو إن جيل اليوم أقل قدرة على الحلم. فكل جيل يحمل مخاوفه الخاصة، ويجد نفسه أمام تحديات لا يستطيع من سبقه أن يفهمها بالكامل. وربما نخطئ حين نقارن شباب اليوم بالشباب الذين كنّاه، كأن التجربة السابقة تمنحنا الحق في الحكم على ما يشعرون به أو على الطرق التي يختارونها للتعبير عن أنفسهم.
لا بد ان أن التجربة مع الوقت غيّرت علاقتي بالاحتجاج. لم أعد أنظر إليه بعين الشابة التي تخرج إلى الشارع وهي تتخيّل أن العالم يمكن أن يتغير دفعة واحدة. صرت أعرف أن الطريق أطول وأكثر تعقيدًا، وأن الحماسة وحدها لا تكفي، وأن الأنظمة لا تتراجع دائمًا أمام قوة الحشود. أعرف أيضًا أن بعض الهزائم لا تُمحى بسهولة، وأن خيبات الأمل قد تجعل الناس أكثر حذرًا، أو تدفعهم إلى الانكفاء.  
لكن لا ينبغي لهذه المعرفة أن تتحول إلى دعوة للصمت أو إلى الاستخفاف بأحلام الشباب. على العكس، ربما تجعلني أكثر انتباهًا إلى ما تحمله لحظات الاحتجاج من قيمة، حتى حين لا تفضي إلى التغيير. الشارع ليس مجرد مكان للمطالبة، بل مساحة يكتشف فيها الناس أنهم قادرون على التعبير عن أنفسهم خارج العزلة، وأن ما كانوا يظنونه مشكلة تخصّهم وحدهم قد يكون جزءًا من تجربة أوسع تتجاوز حدود بلادهم.
ثم ان الانتفاضات ليست وعدًا بالنصر. إنها إعلان بأن الواقع ليس مقبولًا كما هو، وأن هناك من يرفض التعامل مع ما يعيشه باعتباره واقعاً قدريّاً. قد تنجح الحركة في تحقيق بعض مطالبها، وقد تتراجع أو تتشتت، لكن أثرها لا يُقاس بما تحققه في اللحظة نفسها. أحيانًا يتجلّى أثرها في اللغة وفي طرق التعبير عن واقعنا، وفي الأسئلة التي تتركها وراءها.

اليوم أمام الاف الشبان والشابات الفرنسيين في الشارع، أجدني لا أفصل الأمل عن القلق. اريد لهم أن يجدوا ما لم نجده، وأن يتمكنوا من تحويل غضبهم إلى قدرة على التغيير، وأن لا يُضطروا إلى دفع أثمان باهظة مقابل حقّهم في المطالبة بمستقبل أفضل. لكن التاريخ لا يسير في خط مستقيم، وقد تصطدم الرغبة في التغيير بقوى ومصالح تتجاوز ما يستطيع جيل واحد أن يواجه.
 الآن، أشعر أنني أقف في مكان بين تجربتين. لم أعد في قلب التجربة، لكنني لست خارجها. شاهدة تحمل معها ذاكرة شوارع بيروت، وتجربة الحرب، وأحلامًا تشكلت حول الكتابة والفن، ووطناً تمنّيت أن يكون أكثر حرية وعدلًا. ثم حياة بُنيت في باريس، المدينة التي أصبحت جزءًا من هويتي وذاكرتي. ليس من السهولة، في وضع كهذا، الحكم على تجربة من يخوض معركته الآن. إذ ربما لا تتعلم الأجيال من بعضها عبر نصائح من سبقها، بل عبر الاصغاء والاعتراف بأن لكل زمن لغته وشروطه، وأن ما بدا ممكنًا أو مستحيلًا في لحظة ما قد يتغير في لحظة أخرى، وأن أقصى ما نستطيع تقديمه لهذا الجيل هو أن نروي ما عشناه بصدق، دون أن نجمّل الماضي، ودون أن نحمّله وحده مسؤولية ما وصلنا إليه. 

قد يغدو الوطن الذي أحلم به يقيم في اللغة التي أختارها للتعبير، في القصص التي أرويها، وفي قدرتي على اعتبار تعدد تجاربي قيمة مضافة في حياتي. إنه مشروع لا يكتمل مرة واحدة، ولا يملكه جيل بعينه. وكل جيل يعيد طرح أسئلته عليه، ويختبره في ضوء ما يعيشه من تحولات ومخاوف وآمال.
من هنا، ربما لا تكون العودة من احتجاجات فرنسا إلى بيروت، ثم إلى تشرين ٢٠١٩، مجرد انتقال بين أماكن وأزمنة. إنها عودة إلى السؤال نفسه من مواقع مختلفة: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على قدرته على الحلم، من دون أن ينكر ما يفرضه الواقع من قيود؟ وكيف يستطيع أن يواصل الانتماء إلى مكان، من دون أن يتوقف عن مساءلته؟ وكيف يمكن للمرء أن يتطلع إلى التغيير، وفي الوقت نفسه يعرف هشاشة الحياة وما قد يترتب على خسارة المكان الذي يسميه وطنًا؟
أرى في الشباب رغبة في الكلام وفي الاعتراض، كذلك في البحث عن مكان ومستقبل لهم في عالم لا يصغي إليهم. وأفكر في أن هذه الرغبة، رغم اختلاف أشكالها وأسبابها، جزء من حاجة إنسانية لا تنتهي: أن يشعر المرء بأن صوته مسموع، وأن المستقبل ليس مغلقًا تمامًا أمامه.

لم يبق ربيع ١٩٦٨ محصوراً في الشوارع والجامعات، ولا في المطالب السياسية والاجتماعية التي رفعها المحتجون. أصبح، مع مرور الزمن، نقطة تحوّل في الثقافة والفن والكتابة والموسيقى والأغنية، وترك أثره في طرائق التعبير وفي علاقتنا بالسلطة وبالمجتمع وبأنفسنا. كأن الرغبة في تغيير العالم امتدت إلى الرغبة في تغيير اللغة التي نصفه بها، والصور التي نرسمه من خلالها، والأصوات التي نعبّر بها عن أحلامنا واعتراضاتنا.
هل نشهد اليوم تحوّلًا مشابهًا؟ هل يمكن لاحتجاجات الشباب، في فرنسا وفي أماكن أخرى، أن تترك أثرًا يتجاوز اللحظة الراهنة، وأن تفتح آفاقًا جديدة في الأدب والفن والموسيقى والأغنية، وأن تمنحنا لغة مختلفة للتعبير عن القلق والغضب والأمل؟ إنه سؤال مشروع، بل ربما يكون ضروريًا، لكنني لا أستطيع أن أجيب عنه بثقة. فليس كل غضب يولّد إبداعًا جديدًا، وليس كل لحظة احتجاج تتحول إلى منعطف ثقافي. وقد تكون الإجابات، حين تتضح معالمها، مخيّبة لبعض آمالنا. ومع ذلك، لا أظن أن علينا أن نستعجل الحكم. فبعض التحوّلات لا تظهر في اللحظة التي تبدأ فيها، بل تحتاج إلى وقت كي تتشكّل، وإلى مسافة تسمح لنا بأن نرى ما الذي تغيّر فعلًا، وما الذي بقي على حاله.
في النهاية، ليس مهماً أن نعرف ما إذا كان التاريخ يعيد نفسه، المهم أن نفهم ما الذي يبقى من تجاربنا حين تتغير الأمكنة والأجيال. يبقى أثر الشوارع التي مشينا فيها، والأصوات التي رافقتنا، والأوطان التي حلمنا بها، والكتابة التي حاولنا من خلالها أن نحفظ هذا الحلم حيًا. ويبقى أيضًا الخوف الممزوج بالأمل، ذلك الذي قد يعود في مدينة أخرى، وإن تبدلت ملامحه. 
لا أعرف ما الذي ستؤول إليه احتجاجات تشرين في فرنسا، ولا ما الذي ستحتفظ به الذاكرة منها بعد سنوات. لكنني أعرف أنني، وأنا أتابعها، أستعيد شيئًا من نفسي القديمة، وأرى انني ولو لم أعد أبحث عن الإجابات نفسها، لم أتخلّ مطلقاً عن الإيمان بأن تخيّل حياة أخرى هو الخطوة الأولى نحو إمكانها، وأن الكتابة، مثل الاحتجاج، تستطيع أن تفتح مساحة لما لم يتحقق بعد.

أما الشباب في شوارع فرنسا اليوم، فلا أعرف ما الذي سيكتبونه عن هذه اللحظة بعد ثلاثين أو أربعين عامًا. لكنني أريد أن يجدوا، حين يعودون إليها، ما يستحق أن يُروى، وألا تتحول ذاكرتهم إلى سجلّ من الخيبات وحدها. أريد أن يظل في حكايتهم مكان للأمل، وأن يتمكنوا من الاحتفاظ بحريتهم في الحلم، حتى حين لا تسير الأمور كما أرادوا.

+++

المزيد من إيمان حميضان على موقع Literatur.Review:

«ما دمت أحلم باللغة العربية، سأكتب باللغة العربية»
حوار مع الكاتبة اللبنانية إيمان حميدان حول روايتها الأخيرة، ولبنان، والذاكرة، والنظام الأبوي، والهجرة – ولماذا الأدب أقوى من أي بيان

أرملة الأجنبي
قصة من لبنان

الكتابة الإبداعية واللغة العربية
الكتابة الإبداعيّة كسر الصمت تجاوُز الخوف


شكرا للمتابعة ولقراءة نصوصنا.
كي نكمل رسالتنا الرجاء دعم عملنا بمبلغ 
لمرة واحدة، او شهرياً، او سنوياً عبر احد اشتراكاتنا.
للاطلاع على كل ما تنشره ليتيراتور ريفيو ، نرجو الاشتراك في نشرتنا الإخبارية هنا!