ليلة في الفندق سيمرغ*
إنه الصيف في نصف الكرة الشمالي والشتاء في نصف الكرة الجنوبي. وهذا سبب كافٍ لجمع الصيف والشتاء معًا في موقع Literatur.Review خلال شهر أغسطس، ونشر قصص لم تُترجم أو لم تُنشر من قبل من شمال وجنوب العالم.
مريم العطّار شاعرة ومترجمة من جنوب العراق، من مواليد 1987، وعضو اتحاد الكتّاب والشعراء في العراق. شاركت في مهرجانات شعرية داخل العراق وخارجه. صدر لها في الشعر: «وأد» (2013)، «شتائم مجانية» (2016)، و*«أكلوا رمانة كتفيها»* (2024). عُرفت بنشاطها في ترجمة الأدب الفارسي الحديث إلى العربية، وأسهمت في تقديم أصوات شعرية مؤثرة إلى القارئ العربي. من أعمالها المترجمة أنطولوجيات للشعر الفارسي والأفغاني، وأعمال كاملة لشعراء بارزين مثل فروغ فرخزاد وأحمد شاملو، إلى جانب ترجمات شعرية وروائية صدرت عن دور نشر عربية وعالمية.
أعرِفُ هذا التكرارَ، لقد عوَّدتُ منذ سنَواتٍ طويلةٍ جسدي عليهِ. أضلُّ قليلًا ثم أعودُ إلى التكرارِ ذاتهُ: للحبِّ الذي يجعلُني جميلةً في المرايا وخالدةً، لطَوعِ يدي، لإصرارِ الغريزةِ وكَبْتها… كَبْتها كي أبدو مسالمةً ومكتفيةً. أتيهِ وأعرِفُ تيهي حينَ أدورُ وأدورُ لأواجهَ ما واجهتُ. مرَّةً نمتُ على عضلةِ يدٍ، فحلمتُ أنّني نجمةٌ، نجمةٌ بلوريةٌ في فضاءِ شاسعٍ، لا أحدَ هناكَ ليؤنِّبَ القلبَ وهفواتهِ. مرَّةً رقدتُ في جزيرةٍ، فحلمتُ أنّني حوريةٌ تمشطُ شعرَها الطويلَ على الشاطئِ، والأسماكُ الحمراءُ تبالي كثيرًا لأمرِها. مرَّةً فتحتُ نافذةً صغيرةً وتهتُ في شارعٍ طويلٍ، وعندما عدتُ عرفتُ أنّ بيتَ أهلي قد تغيّرَ، ورقمُ هاتفِهم تغيّرَ أيضًا، حتى رائحةُ أبي تبدّلت. رأيتُ كتبي الملقاةَ على الرصيفِ، وعرفتُ حينها أنّني كبرتُ… كبرتُ إلى الحدِّ الذي صارَ إخوتي يحسبونني عجوزًا مشعوذةً. حتى عندما غسَلتُ المساحيقَ من وجهي، حبسوني في غرفةٍ، في بيتٍ لا يمتُّ لذكرياتي بأيِّ صلةٍ. كانت السماءُ، من فتحةٍ، تعرضُ لي نصفَ شمسٍ ونصفَ قمرٍ. منذ حينها وأنا صرتُ أُعنى بالأنصافِ، في أرضٍ تعودُ لأجدادي، بشوارعِها، أنهارِها، دورِ السينما فيها، محاكمِها، فصولِها، رجالِها، أطفالِها، مدنِ ألعابِها وحوانيتيها. لي الأنصافُ، لم يُعلّمني الحصولُ على الأنصافِ غيرَ الانتظارِ، والمنتظرُ صامتٌ، لا يجيدُ البدءَ ولا يعرفُ الختامَ. الانتظارُ يُجمِّدُ كلَّ الرغباتِ، ويمكنُه أن يحوّلَها إلى أمنياتٍ، أمنياتٍ مؤجَّلةٍ، قصصٍ لن تحدثَ لتُروى. الانتظارُ شقيقُ التكرارِ البِكرِ، في التكرارِ كلُّ شيءٍ حيٌّ، حتى الأمواتُ أحياءٌ، والانتظارُ والتكرارُ مولوداهما الوهمُ. وأنا مسرفةُ الأنصافِ، في تكرارٍ مهولٍ، وانتظارٍ مطوّلٍ، لي أمنياتٌ معلّقةٌ. لا أستحقُّ سوى أن أُروى… أريدُ منك أن ترويَ حكايتي.
كتبتُ هذا النصَّ صباحَ اليومِ يا يوسفُ، انعكاسًا من حلمِ ليلةِ أمسٍ. حلمتُ أنّني في العراقِ، وأنني عائدةٌ من سفرٍ طويلٍ ينكرُني فيهِ كلُّ شيءٍ، وأنا أقاومُ وأقولُ لنفسي في الحلمِ: يا مريمُ، أنتِ عالقةٌ في دهاليزَ حلمٍ مزعجٍ، عليكِ الاستيقاظُ لتعدّلي كلَّ هذا الخرابِ. ثم استيقظتُ وعرفتُ أنّني بعيدةٌ عن العراقِ، وأنّك لم تعُدْ هناكَ. تذكّرتُك حين كنتَ تعيشُ هناكَ، كنتَ متأقلمًا وراضخًا لكلِّ ما نمرُّ به، حلمُكَ المسرحُ وإخراجُ النصوصِ التي نكتبها على مصطبةِ، ولقد أصبتَني في قلبي عند لقائنا قبل عامٍ حين رأيتَ تتنهّدُ وتنظرُ لي نظراتٍ عميقةً تتلمّسُ حوافَ الطاولةِ وتمدُّ أصابعكَ على الشرشفِ الأبيضِ المفروشِ فوقَه، ثم أخبرتني: يا مريمُ أنا استسلمتُ ربما سأتركُ البلادَ قريبًا، مع كلِّ الشبابِ الذين يخرجون هذه الأيام سأذهبُ ولن أعودَ إلى هنا مجدّدًا، كانت عيونكَ سخيةً بدموعها، ابتسمتَ ابتسامةً مرّةً ثم رددتَ كلماتٍ من اليوت، تلك التي كنا نرددها أيامَ المعهدِ من شدّةِ جمالها ولم أكن أعرف أنّنا سنعيدُها ونستخدمها لوصفِ حالنا في الواقع: (هكذا سينتهي العالم، هكذا سينتهي العالم، لا برجةً عنيفةً، وإنما بنواحٍ خافتٍ)، وخافتةً كانت كلماتُكَ حين أكملتَ ما حدثَ لك في ليلةِ أمسٍ: كانت ليلةً مشؤومةً يا حبيبتي، تلك الجماعةُ دخلوا المسرحَ، الملثّمون! حطموا ديكورَ العرضِ وأحرقوا كلَّ ما بنيناه أنا ورفاقي… ليس لي مكانٌ هنا، لا أجيدُ فعلَ أيّ شيءٍ سوى التمثيلِ، وها هم يحاربونه، ثم بدأتَ أخففُ عنكَ، ظننتُ أنّها فكرةٌ تلجأُ لها في حالاتِ اليأسِ فقط، لم أكن أعرف أنّك مستسلمٌ حقًّا وقد فرغَ قلبُكَ من معنى الصمودِ. ثم انقطعَت أخبارُكَ، هكذا بكلِّ سهولةٍ تمّ إلغاءُ حضوركَ بينَ كراسي المقهى التي كنا نلتقي فيها على الدوامِ.
وأنا أيضًا لقد قتلتُ فكرةَ حضوركَ التي كنتُ ألفُه، ولم أتعامل معها مجدّدًا، ثم برّرتُ لك عدمَ إخطاركَ برحيلكَ، وبعدَ أشهرٍ ربما من عدمِ قدرتكَ لمواجهتي، اتصلتَ بأختي، فأخبرتني هي أنّكَ مسافرٌ منذ أشهرٍ وتقيمُ الآنَ في مخيّمٍ للمهاجرينَ في ألمانيا. على أيّ حالٍ، النصُّ الذي كتبته في أعلى رسالتي إليكَ، كتبته وأنا في غرفةِ الانتظارِ قبلَ مقابلةِ السفارةِ، كتبته على عجلٍ ونويتُ أن أرسلهَ لك من هنا، لأنّي سألتُ عن البريدِ، وهنا يعمل. إذن، بحدودِ أقلَّ من أسبوعٍ سيصلُ إليكَ، وستخبرني عن رأيك فيه. لا أحبُّ أن أرسلهَ عبرَ الإنترنتِ، فأنا وأنتَ نعرفُ كم للأوراقِ المكتوبةِ سحرٌ لا يُقاوَم. ربّما لو تحسّنت ظروفُكَ ستعودُ للمسرحِ وتنعكسُ هذه الكلماتُ على لسانكَ بالألمانيةِ.
عندما دخلتُ غرفةَ المقابلةِ لمحتُ وراءَ النافذةِ امرأةً شقراءَ بشعرٍ قصيرٍ تجلسُ وراءَ الشباكِ، كانت نظراتُها عاديةً وملامحُها هادئةً، سألتني: ما سببُ الدعوةِ؟ شرحتُ لها ظروفي، ثم سألتني عنكَ.. قالت بنبرةٍ أعلى: من الشخصِ الذي دعاكَ إلى ألمانيا؟ وما علاقتُك به؟ تدريجيًّا صرتُ أتحدّث عنكَ. أمرٌ ممتعٌ الحديثُ عنكَ، وعن مكانِ إقامتكَ، وعن تواصلِنا المستمرِّ، وعن تأجيلِ أحلامِنا، وعن معرفتي بك قبلَ خروجكَ.
قالت: أين ستقيمين أثناءَ وجودِك هناكَ؟ تذكّرتُ وصفكَ لغرفتِكَ، وصديقكَ الذي يسكنُ معكَ وعن كيفيةِ إجادتكَ لطبخِ الطعامِ، لكنّي أخبرتها عن عنوانكَ. لكن في سري كان هناك شعورٌ مؤلمٌ يعصرُ قلبي، لأنّي أعلم أنّنا لم نعد ننامُ في التوقيتِ ذاته، وأنّ سماءَنا لم تعد مشتركةً، وأنّ حرّ هذا المكانِ يجعلني تعيسةً، وأنتَ ربّما يزعجُكَ البردُ هناك. لكنّي سردتُ لها مشتركاتٍ سعيدةً أخرى، فلدينا ما يكفي منها… ثم تذكّرتُ أنّ عليّ أن لا أشرحَ كثيرًا بتفاصيلٍ غيرِ مطلوبةٍ. بعدَ ما شردتُ قليلًا صحاني صوتُها وهي تطلبُ مني: وقّعي هنا، تحتَ هذه الورقةِ.
خرجتُ من بابِ البنايةِ بحذرٍ كي لا أضغطَ بأكتافِ الناسِ الواقفينَ في الطابورِ أمامَ البابِ.. وفضّلتُ المشيَ لنهايةِ الشارعِ، كان هناك بيتٌ كبيرٌ لدارِ المسنينَ بساحةٍ كبيرةٍ ممتلئةٍ بالأشجارِ وبابٍ حديديٍّ قديمٍ طويلٍ ومتينٍ لكنّ جدرانَ الدار كانت قصيرةً فكنتُ ألمحُ بعضهم وهم يتمشّون في الممرّاتِ في ذلك الصباحِ، غبِطتُ حالَهم، ها هم كبارٌ عجزةٌ، ليس عليهم النقلُ والسفرُ والدفاعُ عن حياتِهم وأحلامِهم، هكذا ببساطةٍ وجدوا الأرضَ التي من المقرّرِ أن تكون مأمنَهم الأخيرَ… وأنا بقيتُ أتدحرجُ من علوّ ذلك الشارعِ المبنيّ على الجبالِ لأصلَ لنهايتهِ كفقاعةٍ مدوّرةٍ مهدّدةٍ بالفقعِ في كلِّ لحظةٍ!
مررتُ اليومَ أيضًا بمكتبةِ "خسرو" القديمةِ، تلك التي زرناها معًا ذاتَ مرّةٍ. هذا الرجلُ يملكُ قدرةً عجيبةً على اكتنازِ الكتبِ النادرةِ، كأنّه عائدٌ من زمنٍ بعيدٍ، يجلبُ لزبائنه كنوزًا محبّبةً ثم يختفي ليعود بعناوينَ أخرى.
لمحتُ على أحدِ رفوفِه كتابًا لريلكه – الشاعرِ الذي قتلته وردةٌ – نسخةٌ قديمةٌ بعنوان Geschichten vom lieben Gott (عن الربّ المحبوب وقصص أخرى). تصفّحتهُ، وقلّبتُ أوراقَهُ بفضولٍ، فانتبهَ لي السيّدُ خسرو وأخبرني أنّه يحبّ هذا الكتاب كثيرًا، لأنّه أثّر فيه في فترةِ مراهقتِه. ثمّ سردَ لي فكرتهَ الجوهرية: أنّ الموتَ يمكن أن يكون اكتمالًا للغناءِ، لا انقطاعًا له.
حكى لي الحكايةَ بإيجازٍ: قال إنّها عن رجلٍ فقيرٍ من قريةٍ روسيّةٍ يُدعى تيموفاي، عاشَ حياته بهدوءٍ، يعملُ بيديهِ ويغنّي لنفسِه أغانٍ بسيطةٍ أثناءَ عملهِ أو في الطريقِ. كان صوتُه، بالنسبة لأهلِ القريةِ، مألوفًا مثلَ ضوءِ النهارِ، يغنّي دون أن ينتبهَ أحدٌ تمامًا لما يقولُ، كأنّ صوتَهُ امتدادٌ للطبيعةِ. ومع تقدّمهِ في السنِّ شعرَ أنّ نهايتَهُ قريبةٌ، فجلسَ مساءً أمامَ بيتهِ وبدأَ يغنّي أغنيةً لم يسبق له أن غنّاها، أغنيةً تضمّنت كلَّ ما عاشَهُ: الحقولَ، الخيولَ، صغارَ الطيورِ، دفءَ الموقدِ، وحتى الغيومَ الثقيلةَ فوق السهولِ. وبينما كان صوتُه يعلو وينخفضُ، صار الغناءُ أعمقَ من الكلماتِ نفسها، كأنّه يُسلمُ حياتَهُ للهواءِ والنغمةِ. وفي نهايةِ الأغنيةِ توقّفَ صوتُهُ بهدوءٍ، كما يُطفأُ مصباحٌ عندَ الفجرِ، وماتَ مبتسمًا، ولم تنتبهِ القريةُ إلّا بعد أن سكنتَ الأغنيةَ.
كنتُ أنصتُ إليه كتلميذةٍ مستجدّةٍ، أربطُ خيوطَ الحكايةِ بالواقعِ، وأتساءلُ: كيف استطاعَ ريلكه أن يصفَ الحياةَ بهذه الصوفيّةِ العميقةِ البسيطةِ، ليجعلَ مشوارَها المرهقَ مجرّدَ غناءٍ، أو حتى أغنيةٍ في الهواءِ؟ ابتسمتُ لهُ، لأنّه جعلني، في لحظاتٍ قليلةٍ، أجتمعُ معهُ ومعَ ريلكه وتيموفاي العجوزِ ومعكَ في مكانٍ واحدٍ. هكذا هو الأثرُ الذي يتركهُ فينا الكتابُ، لا لغةً ولا زمنًا يمكنُ أن يعيقا ما شعرتُ بهِ في تلك اللحظةِ.
هممتُ أن أشتري منهُ عددًا من الكتبِ، لكنّي تذكّرتُ أنّني بإقامةٍ مؤقّتةٍ، وكلُّ شيءٍ مؤقّتٍ، ولا يجوزُ للمؤقّتِ أن يزيدَ حملًا على حقيبتهِ. أملتُ نفسي بالأفضلِ: بالكتبِ التي تنتظرُنا هناكَ، بالأفلامِ التي لم نشاهدها بعدُ، بالشوارعِ التي تنتظرُنا لنمشيَ فيها، ومدينةٍ تستوعبُنا بالنهايةِ.
خرجتُ من المكتبةِ، كان قد حلّ المساءُ، أسرعتُ بخطواتي معَ الناسِ العائدينَ إلى بيوتهم، حشرتُ نفسي في دوّامتهم لأعتبرَ أنّني واحدةٌ منهم تنتظرني عائلةٌ وبيتٌ… كنتُ أخطو خطواتي مسرعةً ورائحةُ كتبِ مكتبةِ خسرو القديمةِ تغمرني بنوستالجيا حميميةٍ رائعةٍ.
عدتُ إلى الفندقِ، لا أتذكّر أنّني عبرتُ قاعةَ الاستقبالِ ودخلتُ الغرفةَ، كان هدفي الوحيد الجلوسُ على الكرسي أمامَ الطاولةِ لأكتبَ لك، وها أنا أكتبُ إليكَ من مدينةٍ مزدحمةٍ، مليئةٍ بالضوضاءِ ليلًا ونهارًا. العمّالُ هنا مشغولونَ بالعملِ على مدارِ الساعةِ، والمدارسُ بأصواتِ مكبّرِها العاليةِ تعكّرُ صفوَ الصباحِ باستمرارٍ. أسمعُ صوتَ مديرِ المدرسةِ وهو يحذّرُ الطلبةَ ويتوعّدُ لهم بمستقبلٍ مشرقٍ لو أطاعوهُ، ثم تتعالى أصواتُ مشاغبةِ الطلابِ الصبيانيةِ. أنزعجُ، لكنّني أبتسمُ لهم في سري. وأنت تعرفُ كم أحبُّ الفجرَ والصبحَ الذي يليهُ، لكنّي هنا محرومةٌ من صفوةِ الفجرِ والسكونِ الذي كنتُ أتمتّعُ به سابقًا.
أعرفُ أنّني أسيءُ لهذه المدينةِ حين أكتبُ عنها بهذه الطريقةِ، لكنّها مدينةٌ لا يشبهُني فيها شيءٌ، لا رائحةَ زيوتِ مصانعِها التي تفوحُ من شوارعِها لتدخلَ الأنفَ بلا رحمةٍ، ولا نساؤُها ورجالُها المنشغلونَ دائمًا بأحاديثٍ تدورُ حولَ كسبِ المالِ وتمريرِ المعاشِ. وأنت تعرفُ أنّني أسمي المالَ أوراقًا ملوّنةً برسومٍ قبيحةٍ.
تعبتُ من الجلوسِ وراءَ الطاولةِ، أخذتُ الأوراقَ وتمددتُ فوقَ السريرِ الأبيضِ الذي يفوحُ برائحةِ الكلورِ، وملمسُ الشرشفِ الذي غطّى قبلي ربما مئاتِ الأجسادِ. أطفأتُ المصباحَ فانتبهتُ إلى ظلِّ وهجِ الشارعِ وانزوائي في هذه الغرفةِ المعدومةِ، كان نصفُ جسدي أسيرَ بياضِ السريرِ، ونصفُه الآخر يمرُّ فوقَه انعكاسُ أضواءِ السياراتِ كلَّ بضعِ لحظاتٍ، ينسابُ عبرَ زجاجِ النافذةِ، تصحبهُ أصواتُ السياراتِ السريعةِ كصرخةٍ بنفسجيةٍ في منتصفِ الليلِ.
شعرتُ أنّني لعبتُ أدوارًا كثيرةً هذا النهارَ، أدوارًا لطّخت وجهي وغيّرت نبرةَ صوتي عشراتِ المرّاتِ، في سيناريو غيرٍ متقنٍ ووجهٍ غير مقنعٍ للآخرينَ. كانت المفرداتُ من لغتي العربية تقفزُ لا إراديًّا كلّما حاولتُ التحدّثَ بلغتِهم. دخولُ بياناتي في الأجهزةِ الرقميةِ التي لا أجيدُ التعاملَ معها، غضبُ الموظفين، إعادةُ المحاولةِ عشراتِ المرّاتِ… عمليةٌ تبدو سهلةً في روتينِهم اليومي، لكنها صعبةٌ جدًّا عليّ. فكّرتُ حتى أنّني لا أستطيعُ شرحَ ما يحدثُ لموظفٍ بسيطٍ حين يناديني باسمي ولا أتذكّرهُ إلّا بعدما يكرّرهُ في مكبّرِ الصوت أكثرَ من مرّةٍ.
فبصراحةٍ، كيفَ أخبره أنّ لديَّ اسمينِ ولقبينِ، وجوازَي سفرٍ، وهوّيةَ شخصيّةٍ؟ كيفَ أخبره أنّ المكانَ الذي يتململون منهُ هو بالنسبة إليَّ غريبٌ، كدخولِ مغارةٍ عجيبةٍ، وأنني لم أدخلهِ إلّا منذ يومٍ أمسٍ؟ كيفَ أخبرهم أنّني أحفظُ جملةً للتعريفِ عن نفسي منذ يومِ أمسٍ، وتدرّبتُ عليها كي تبدو ملامحي عاديةً وأنا أسردها؛ جُمَلٌ يتدرّبُ عليها أغلبُ المهاجرين قبلَ المقابلةِ، سيناريوهاتٌ مفبركةٌ يعرفها المهاجرون فيما بينهم فقط، كأنّها لغةٌ وليدةٌ لا موطنَ لها، تشكّلت على مدى سنينَ بين المهاجرين وهم يعبرونَ من بلدٍ إلى آخر. كنتُ أتذكّرُ هذا التلقينَ اللعينَ بينما كان في رأسي عناوينُ كثيرةٌ، وأوراقٌ ثبوتيّةٌ أكثرَ من كلتا البلدين.
دعني بذاكرتي أضغطُ على زرّ تسريعِ بكرةِ التسجيلِ أحداثَ اليومِ، لأصلَ إلى هذه اللحظةِ بالذاتِ.
أنا الآن في منتصفِ الليلِ، وتقريبًا أنا لا أحَدٌ. ففي ليلةٍ كهذهَ، تكريمًا لكلِّ الأسماءِ التي حزتْها، لا اسمَ لي الآن، ولا لقبٌ يعودُ لعشيرةٍ أو جذورٍ. أفكّرُ كم يبدو الأمرُ ممتعًا لو قدّمنا أنفسَنا بما نحبُّ: بقائمةِ الأغاني المفضّلةِ، بالأفلامِ التي أثّرت فينا، بالقصصِ الكلاسيكيةِ التي ربّتْنا، بالقصائدِ التي دهشتنا حتى حفظناها، حتى وجهٌ من نحبُّ يمكنُ أن يعرفَ عنّا أكثرَ من الأرقامِ والبصماتِ. أعرفُ أنّ ما أحملهُ في ذاكرتي وما أحبّهُ لا يعني أحدًا على الإطلاقِ.
أديرُ وجهي إلى الجهةِ الأخرى من السريرِ، أطيلُ النظرَ في اللوحةِ الجداريةِ أمامي، نسخةٌ من عملٍ لموديغلياني: امرأةٌ تتكئُ على كرسيٍّ، بعُنقٍ طويلٍ وحركةِ يدٍ في غايةِ الأنوثةِ. آه، العيونُ! إنّها غيرُ مرسومةٍ طبعًا. أتذكّرُ عبارتَهُ: "عندما أعرفُ روحَك سأرسمُ عينيك". ثمّ تنزلُ دموعي وتواصلُ الانهمارَ بلا سببٍ واضحٍ، كأنّ البكاءَ في غرفةِ الفندقِ أمرٌ لا بدّ منهُ.
الفندقُ مكانٌ غريبٌ حقًّا، غرفٌ مكعّبةٌ، إقامةٌ مؤقّتةٌ، زائرونَ مقتنعونَ بالتوقيتِ، يتركونَ ذكرياتِهم هنا ليصنعوا أخرى في أماكنَ أخرى. أنا غيرُ مقتنعةٍ بالفنادقِ، ولا بالوداعِ، ولا بعدالةِ هذه الدنيا. غيرُ مقتنعةٍ بتبادلِ النقودِ للحصولِ على أيّ شيءٍ. هذا الدفترُ الذي أكتبُ لك فيهِ الآنَ، مثلًا، أفضلُ لو دخلتُ المكتبةَ وأخبرتُ البائعَ أنّني أريدُ دفترًا بأوراقٍ بيضاءَ لأكتبَ لحبيبٍ بعيدٍ، ذلكَ الذي أفارقهُ منذ سنينَ ولا يعرفُ عن أمري إلا القليلَ. أخبرُه أنّني مهاجرةٌ، وواجبٌ عليّ التوثيقُ بالكتابةِ، وأنّني بدلًا أن أدفعَ لهُ المالَ يمكنُ أن أقصّ عليهِ ذكرى تعنيني وتدفعني للكتابةِ، أقولُ له إنّ الكتابةَ واجبٌ على كلِّ مهاجرٍ، هذا لأنّنا نغيّرُ الوسائدَ التي ننامُ عليها كلّ ليلةٍ بحسبِ مزاجِ القوانينِ والحكّامِ في بلدانِنا، وهكذا، ببساطةٍ، يصبحُ البائعُ منصتًا ومكافئًا.
ربّما أنا امرأةٌ حالمةٌ، لكنّني أثمّنُ الوقتَ والعمرَ الذي أقضيهِ على هذا الكوكبِ. أحبّ لو كنتَ الآنَ، بدلَ السكونِ في الغرفِ المؤقتةِ والمدنِ المتّسخةِ، متكئًا على شجرةٍ، ألمسُ العشبَ، وأراقبُ الغرابَ الذي يحومُ حولي، وبينَ لحظةٍ وأخرى أرمي لهُ قطعًا من الخبزِ، ولا أفكّرُ بإثباتِ هويّتي! أنا وغيري نستحقُّ أن نملأَ رئتينا بهواءٍ نقيٍّ، وأن نقضيَ ما تبقّى من العمرِ في مكانٍ يتّسمُ بالنقاءِ والصفاءِ.
أستحقُّ أن أنظرَ إلى المدنِ من علٍ، كما لو كنتُ طائرًا بدائيًّا يصاحبُ الديناصوراتِ، وأشهدَ للمستقبلِ بما يشغلُ الناسَ، وأهزأَ بعناءِ ما يشغلُهم. لستُ مبشّرةً بالطبعِ، لكنّني أعرفُ أنّ هذه "آخرَ مرةٍ أعيشُ فيها". تعبتُ من الولادةِ كلّ صباحٍ في مدينةٍ ليسَ لي فيها ذكرياتٌ، وتعبتُ من النومِ في منطقةِ الصفرِ، والبدءِ من الصفرِ، واللجوءِ إلى الصفرِ. الصفرُ ليسَ عددًا، يبكي كثيرًا ولا يتطوّرُ إلا إذا صارَ في المقدّمةِ.
يا حبيبي البعيدُ، ربّما لن نلتقي مجدّدًا، لكنّي أحذّركَ أن تعيشَ، فليست هناكَ سعادةٌ تستحقُّ العناءَ. السعادةُ تأتي على غفلةٍ، كالحبِّ. إذن عش وأنتَ تحبُّ، دونَ عناءٍ.
+++
السيمرغ، الطائر الأسطوري في التراث الفارسي، يرمز إلى الحكمة والتحوّل والتجدّد. ويستحضر اسمه الكلمتين الفارسيتين اللتين تعنيان «ثلاثين طائرًا» (سي مرغ – si morgh)، وهي لعبة لغوية تؤدي دورًا محوريًا في منطق الطير لفريد الدين العطار. وقد اختير الاسم الفارسي إشارةً إلى كلٍّ من قصيدة العطار والشاهنامه للفردوسي، وكذلك لما ارتبط به السيمرغ منذ القدم من رمزية التجدد والولادة من جديد.
للاطلاع على كل ما تنشره ليتيراتور ريفيو ، نرجو الاشتراك في نشرتنا الإخبارية هنا!