جَدّي حسين

Navigation

جَدّي حسين

قصة قصيرة من روجافا؛ منطقة الحكم الذاتي الكُردية في الشمال الشرقي من سوريا.
Foto Menaf Othman
Bildunterschrift
Menaf Othman

منيف عثمان (عبد المنصف عثمان) هو كاتب ورسام كردي سوري، ولد عام 1965 في الحسكة. درس الجيولوجيا في دمشق، واهتم منذ صغره بالأدب والرسم. تم اعتقاله وتعذيبه في سوريا بسبب ديوان شعر كردي. في التسعينيات، هرب إلى تركيا، حيث اعتقل مرة أخرى بتهمة الدعاية وحكم عليه بالسجن مدى الحياة. بعد 31 عامًا، أُطلق سراحه في عام 2024، وتم ترحيله إلى ماليزيا، ثم وصل لاحقًا إلى ألمانيا بفضل منحة دراسية من منظمة PEN. نشر عثمان حتى الآن تسعة كتب، منها روايات وقصص قصيرة ومسرحية، بالإضافة إلى ترجمات إلى اللغة الكردية، من بينها ”الكونت دي مونتي كريستو“ و”الأمير الصغير“ و”ألف ليلة وليلة“.

أستطيع أن أقول بكل سهولة إن منبع النشوة والأمل عندي، على مدار حياتي، هي طفولتي. وإن أحد أبطال طفولتي الذين لا أنساهم أبداً هو جدي حسين.

فجدي هذا رحمه الله كان يملك البستان الوحيد في قريتنا والذي كان يضم أشجاراً مثمرة من مختلف الأنواع. ومن بين ما كان في بستان جدي هذا أشجار اللوز التي كانت تحيط بالبستان من أطرافه الأربعة. غير أن جدي لم يكن يدع أحداً يأكل من ثمار هذه الأشجار الكثيرة، على الرغم من أن هذه الثمار كانت تجف دون أن يقطفها هو أيضاً. فخلال شهرين فقط كان كل ذلك اللوز الأخضر اللذيذ يتحول إلى حبات متخشبة، دون أن يستفيد منها أحد. إلا أننا نحن الأطفال لم نكن نسكت عن هذا الأمر غير المعقول!
في مثل هذه الحالات يكون السكوت من صفات الكبار وحدهم! أما نحن الصغار، فقد كنا نرفض السكوت أو الخضوع لمثل هذه الأوامر التافهة لجدي.

ففي مثل هذه الأماسي الربيعية الجميلة، كنا غالباً ما نجمع شلة من ثلاثة أو أربعة أولاد، تأخذ التعليمات من أكبرنا، الذي غالباً ما كان هو الأفضل معرفة بالعمليات السرية. وبعد أن نتزود بالتعليمات اللازمة، كنا ننتظر الليل بفارغ الصبر، ليسدل ستاره على العالم وعلى قريتنا الهادئة، ليتهيأ لنا الجو اللازم للعملية ونهجم بعد ذلك على أشجار اللوز الأخضر، ثم نأكل حتى نشبع ونحمل معنا من اللوز ما وسعت جيوبنا، ونعود إلى البيت بغنائم منتصرين! إلا أننا لم نكن نستطيع أن ندخل البيت بسلامة في مثل تلك الساعات المتأخرة من الليل. كنا ندخل إلى البيت خلسة وندخل الفراش بخفية صارمة كي نتظاهر بالنوم دون أن نلفت نظر أهلنا. وفي مثل هذه الأوقات عادة ما يكون جدي يدير السهرة العامرة في بيته الصيفي، حيث كان الجميع يستمع إلى مغامراته التي لا تنتهي، في اجتياز الحدود الملغومة بيننا وبين تركيا.

سهرات جدي هذه كانت الغطاء الطبيعي لعملياتنا الليلية ومغامراتنا التي لم تكن أقل شقاوة من مغامرات جدي. أما في حال كشف أمرنا ووصول الخبر إلى جدي فلم تكن نهايتنا سعيدة، بقدر ما كان ينتظرنا من عقاب، من جراء تهجم جدي على أوليائنا واتهامهم بالتقصير في تربيتنا. فالسرقة كانت أسوأ تصرف أخلاقي في قريتنا التي كانت تُعرف بأخلاقها هذه. لكننا مع ذلك كنا قد تعودنا على تحمل كل تلك الشتائم والعقوبات، مقابل تنفيذ الخطة التي كانت تدور في مخيلتنا وعقولنا الصغيرة.

وفي إحدى المرات اشتد الصراع بيننا وبين جدي على سرقة اللوز. وكان قد وشى أحد بخطتنا إلى جدي وأخبره بأنه هناك لصوص صغار هواة على الأشجار، يقومون بنهب لوزاتك. فكان أن غضب جدي الذي لا يهمه شيء في حياتي، قد لفت اهتمامه بهذه الأشجار… ولا أدري لماذا؟ رغم أنني فكرت في ذلك كثيراً، فلا هو يستفيد من أشجاره ولا يسمح لغيره بالاستفادة منها. كل الذي كان يفعله جدي هو أن يرعى أشجاره ويسقيها ويزيل الأعشاب الضارة من حولها ويحرسها ويحميها منا نحن الأطفال.

فعندما علم بمخططنا الأخير هذا، غيّر جدي من خطته. إذ قام بمساعدة ثلاثة من الخونة بيننا بنصب كمين خفي لنا، ليتم ضبطنا بالجرم المشهود.

زملاؤنا العملاء هؤلاء كانوا يعرفون خطتنا حق المعرفة ويعرفون أين وكيف وماذا سنفعل. وكان جدي قد وعدهم بمكافآت مغرية إن تمكنوا من القبض علينا بالجرم المشهود، ليصار بنا إلى أهلنا ومن ثم صفعة العقاب الكبير الذي ينتظرنا!

كان فريق العمالة كعادته يتألف من خيرو، جمو ومحو. ومن حسن حظنا أن سلوك العمالة في هذه المرة لم يكتب له النجاح كما كان في المرات السابقة، وذلك بفضل شيرين؛ أخت خيرو الطيبة القلب التي كانت قريبة مني. وكم كانت فرحتنا كبيرة حين كتب لهذا الكمين الفشل!

في مساء العملية، وقبل ساعات فقط، أتت إلينا شيرين، البنت الخلوقة التي كانت معنا في الصف الخامس، وأخبرتنا بأن جدي قد أخذ علماً بخطتنا وأنه خطط لكمين معاكس. فكان علينا أن نغير الخطة بسرعة ونتراجع عن أكل اللوز في تلك الليلة. وبالفعل عملنا على ذلك ونفذنا من الكمين المعاكس بسلامة.

غير أن الذي يتذوق اللوز من بستان جدي لا يمكن له أن يرضى بالانقطاع التام عنه. وفي إحدى الليالي الصيفية الجميلة قمنا من جديد بسرقة اللوز، وكان الوقت متأخراً في تلك الليلة. وبينما كنت أتسلق أحد الأشجار وجدت بجواري عصفور دوري نائم! يا إلهي إنه لا يطير وكأنه مخدر! مددت يدي إليه ثم أمسكت بالعصفور. وما إن تمعنت قليلاً فيما حولي حتى وجدت أن هناك الكثير من هذه العصافير الثملة حولي! يا إلهي ما أكثرها! وفجأة خطرت في بالي فكرة: لماذا لا نقوم باصطياد هذه العصافير بدل الركض وراء اللوز الذي نأكل منه كل يوم؟

ناديت على عليكو كي يقوم هو الآخر باصطياد العصافير ويترك اللوز جانباً، ومن ثم قلت لعمرو الشيء نفسه وبدأنا بالاصطياد. كم كان اصطياد العصافير سهلاً في الليل! في حين أننا في النهار كنا ننصب المئات من الفخاخ ونجري آلاف الأمتار كي نقبض على عصفور واحد أو عصفورين. في حين أن اصطياد عصفورين في هذا الليل لم يكن يستغرق أكثر من دقيقتين. يا لغبائنا، لماذا لم نفكر بهذا من قبل؟ إلا أنه بعد قليل اعترضتنا مشكلة، حيث لم نكن نحمل سكاكين كي نذبحها.

حتى لم نكن نملك كيساً أو خرجاً أو ما شابه كي نضعها فيه. فاتفقنا على أن نفصل رؤوس العصافير عن أجسادها ونرميها تحت الشجرة. لكن عمرو تمرد على هذا العمل بحجة أنه فعل حرام. لقد كان عمرو دائماً هكذا طيب القلب ومؤمن خالص الأخلاق مثل أمه! غير أنني أنهرته وأكدت له بأنني سمعت بأذني ورأيت بعيني كيف أفتى الملا بشير عندما سأله عبدو الصياد عن إمكانية فصل الرأس عن الجسد وقت الصيد بالنسبة للعصافير، وكيف أجابه الملا بالإيجاب، وما نحن إلا صيادون نفعل ما يفعله الصيادون وهو أمر محلل لنا أيضاً. فهكذا كانت الفتاوى تصدر في قريتنا، وهكذا كانت تصدر في عالمنا نحن الصغار أيضاً! وبذلك الطريقة استطعنا في دقائق معدودة أن نصطاد نحو 30 عصفوراً أو ربما أكثر. كنا نفصل الرأس عن الجسد بأيدينا من غير رحمة ونرميها تحت الشجرة. حقاً كان صيداً سريعاً وثميناً أيضاً! كان علينا أن نقوم بهذا الصيد في كل ليلة. فهي وإن كانت تجربة جديدة، كانت أفضل بكثير من سرقة اللوز. في النهاية تقاسمنا الغلة وأخذ كل منا حصته في نشوة لا توصف!

غير أنني عندما عدت إلى البيت فاجأني ما لم أتوقعه! فقد كانت حساباتي خاطئة بل ربما لم يكن هناك حساب لمثل ما حصل. فقد تعرض كل منا لعقوبة قاسية جداً وشتائم لا تحصى من الأهل، على سوء تصرفنا في قطع رؤوس هذه العصافير البريئة بهذه الطريقة البشعة! الأسوأ من ذلك الذي حصل هو ما قامت به أمهاتنا من رمي كل العصافير التي اصطدناها إلى الكلاب وعدم السماح لنا بأكلها، بحجة أنها لم تُذبح بالشكل الحلال. كم كان مشروعاً فاشلاً وكم كنت أتألم وأنا أرى أمي وهي ترمي جثث عصافيري إلى الكلاب! لقد كان لحماً طيباً لم أذقه ولا أعلم لماذا كان محرماً في ديننا! تمنيت في تلك اللحظة أن أكون يزيدياً أو زردشتياً!

نعم، فلو كنت يزيدياً لأكلت هذه اللحوم كلها، فالزيديون يحللون أكل مثل هذه اللحوم حتى أنهم في بعض الحالات يشربون ويأكلون من نفس القدر التي تشرب منها الكلاب والدواب. سألتهم أمي مرة حين كنا في زيارة عزائية إلى قريتهم خربة جمل الجارة لنا، عن سبب هذا الشيء وأنه كيف لهم أن يشربوا من نفس المكان الذي تشرب منه الكلاب والدواب. فردت عليها إحدى السيدات بكل بساطة وقالت: يا كريفتنا العزيزة، كلنا ذو لسان أحمر ولا فرق بيننا وبين حيواناتنا. فنحن لساننا أحمر وكذلك الكلاب والأغنام والحمير، فما به إن نحن شربنا من مشرب واحد؟ هكذا خلقنا الله!

وقتها تجهمت ملامح وجه أمي مع هذا الإيضاح، ولكنها لم ترد عليها بشيء. في حين أنني كنت أميل إلى رأي تلك المرأة. وفي كل الأحوال لم يعد هناك أي فائدة من الحديث عن هذه الأمور، طالما أن لحم العصافير كلها أصبحت في بطن الكلاب!
يرحمك الله يا جدي! آه… آه، كم لي ذكريات غريبة معك! ولكن لماذا كل هذه المسائل… ماذا يهمني من الماضي ولماذا كل هذه الذكريات الموجعة!

ثم لماذا كل هذا الجهد ومحاولة استذكار الماضي بهذا الشكل!
لا شيء يهمني اليوم بقدر خبر عودة أبي من البلدة، فأنا أنتظره ببالغ الصبر وكأنني على نار! أتنصت بآذان صاغية إلى أي صوت يأتيني من الخارج، أو بالأحرى أي صوت من وردة، كلبتنا التي لا تعرف السكوت.

فلا يمكن لأحد أن يدخل قريتنا دون أن تتنبأ بقدومه ولو كان هذا الآتي من القرية نفسها. دخول أي شخص للقرية كان يصاحبه نباح وردة، إنها بمثابة الجرس المنبه للقرويين كلهم في هذا المجال.

لقد تأخر أبي في هذه المرة! إننا في يوم الخميس وغداً سيكون الجمعة وهو يوم العيد. أبي لم يعد بعد! فكيف سيكون موقفي من أولاد القرية إذا لم يأت أبي ويجلب لي البنطال والحذاء الجديدين؟ لكنه وعدني بذلك! نعم لقد وعدني بأن يأتيني بنطال وحذاء! وعدني بذلك وأقسم! لا يمكن لأبي أن يخلف بقسمه، هذه هي ميزته الجميلة والوحيدة بالنسبة إلي. غير أنه لم يقسم عندما ذكر الحذاء! ولكن الأهم هو أن يأتي اليوم وإلا لن يكون غداً عيداً بالنسبة إلي. منذ يومين والجميع يتحدث عن ثيابه الجديدة وما أتاه به والده من هدايا العيد، عداي أنا. الكل -بما فيه خيرو- يستعرض عضلاته متحدثاً عما أتاه به والده من بنطال وأحذية جلدية ومحافظ مدرسية ودفاتر وأقلام ملونة. وأعرف أن الجميع يريد أن يستفزني بذلك. غير أنني لست أسمع أي شيء، فإنني كتمت الصمت وحبست كل شيء في داخلي، على أمل أن يعود أبي عند المساء. كل ما أعانيه الآن من ألم هو بسبب والدي! آه يا أبي، لماذا لا تأتي؟ لماذا تجعل ولداً مثل خيرو يستصغرني ويشتم بي وهو لا يزال جاهلاً بالجمع والطرح والتقسيم وهو في الصف الرابع! لعن الله هذا الزمان الذي يجعل واحداً مثل خيرو يشتمني!

خيرو الذي يواجه كل يوم عقوبة بسبب الشغب الذي يقوم به وأياديه القذرة ورائحته الكريهة. فليكن ذلك… تمصخر أنت علي الآن يا خيرو أبو المحفظة الجميلة، وقريباً سنذهب إلى المدرسة وسنرى شطارتك عندما يسألك الأستاذ عن وظائفك! عدة أيام فقط… بعدها ستأتيني مترجياً كي أساعدك في وظائفك! فكيف لك أن تحل مسائل الحساب ومواضيع الإنشاء من غير مساعدتي؟ نسيت أنك لا تعرف ترتيب كلمتين صحيحتين فقط بالعربية! نعم ستحتاج إلي يا خيرو… ستحتاج وستأتيني راجياً منخفض الرأس وأنا أعرف وقتها كيف أتصرف معك. ولكن… ولكن في البداية يجب أن يأتي أبي اليوم! بل لا بد أن يأتي ويأتيني ببنطال أجمل من بنطال خيرو! ولكن للأسف البنطال لوحده لا يكفي، فكل زملائي سيرتدون أحذية جلدية لماعة. يا إلهي! أبي لم يقطع لي العهد بالنسبة للحذاء، كل الذي قاله هو أنه إذا ما بقي معه نقود فسوف يشتري لي حذاء. وهذه عبارته المعتادة التي كان يستعملها مع كل إخوتي وفي كل مرة عندما يريد أن يماطل في جلب الأشياء لهم. كيف سيكون موقفي غداً في العيد إن لم يأتني أبي بالحذاء والبنطال؟ هل حقاً سأكتفي بلبس بنطال جديد مع حذائي البلاستيكي المعتوه ذاك؟ يا للجحيم! عدم مجيء أبي اليوم هو أفضل من أن يأتي! على الأقل ستكون لي حجة أستقوي بها أمام زملائي. نعم هذا أفضل! سأقول لهم بكل بساطة: أبي لم يأتِ لأسباب مهمة وطارئة وإلا فقد كان سيأتيني ببنطال جميل وحذاء جلدي أسود.

ولكن… ولكن ما ذنبي أنا في كل هذا؟! يا للعنة! لا أدري كيف أتخلص من هذا الحال؟ ربما لو كان أبي غنياً مثل والد خيرو لكان الوضع مختلفاً عما هو عليه الآن بكثير! ولكن كيف لأبي أن يصبح غنياً وهو لا يعرف سوى إدارة مجالس الكلام والقيل والقال! كل الذي يفعله أبي من أعمال لا يتجاوز عدة أيام في السنة، حيث يقوم بزرع عدة دونمات من الأراضي ويبقى طوال السنة مشغولاً بتبغه ودخانه والمزيد من طواحين الحديث والقصص الفارغة التي يرويها للقرويين في غرفتنا الكبيرة ليقضوا بها وقت فراغهم في ليالي الشتاء الطويلة.

مع أنني أتذكر جيداً كيف كان والد شيخو فقيراً قبل سنتين من الآن، لكنه رحل إلى المدينة وصار يأتي بالنقود والألبسة والأحذية والبسكويت.

حتى أنا شيخو الذي كان الابن الأصغر لأبيه، كان يملك ثلاثة ألعاب حلوة وكان يكتب بقلم الحبر منذ أن كان في الصف الثاني، أما أنا فقد أصبحت في الصف الرابع ولا زلت أكتب واجباتي بقلم الرصاص لأنني لا أملك قلم حبر إلى الآن. حتى إنني لا أملك سوى قلم رصاص واحد، وهو بعد أن ينتهي سأضطر لأن أستعير الأقلام من زملائي مدة يومين أو ثلاثة حتى يأتيني البديل. آه لو كنت أملك قلم حبر! ولكن لا يبدو أن أبي سيفعل مثلما فعله أبو شيخو ويصبح غنياً، ذلك أن أبي لا يستطيع العمل في الأعمال الشاقة على حد قوله. أمي هي الأخرى تطلب منه أن يذهب إلى المدينة ويعمل هناك ليربح أكثر ويأتي بالمصاري، ولكن أبي يرفض ذلك وغالباً ما يحصل بينهما شجار كلامي يدوم لساعات، وفي بعض الأوقات يصل إلى حد الضرب!

اللعنة على الضرب، اللعنة على الخصام… ليتنا كنا في المدينة… المدينة!

فكثيراً ما يتحدثون عن المدينة والأشياء الكثيرة فيها ويقولون إن فيها أناساً كثيرين وأولاداً كثيرين وأسواقاً ومحلات خاصة بكل شيء، حتى إنه هناك دكاكين خاصة لا تحتوي إلا على الحذاء… آه آه أين حذائي؟

سألت أمي مرة عن دكاكين المدينة، فقالت يا بني دكاكين المدينة تشبه إلى حد ما دكان الخالة بدرية ولكنها أكبر وأوسع وفيها أشياء أكثر. وهذه الخالة بدرية امرأة مطلقة أو على الأصح امرأة هجرها زوجها منذ سنتين عندما اختلفت هي مع زوجته الثانية المشهورة ببخلها في القرية كلها، إلى درجة أنها كانت تنشر في الشمس أوراق الشاي المستعمل لكي تجف ثم تقوم هي مرة أخرى باستعمالها. لقد كانت مثالاً في البخل في قريتنا الهادئة.

كنت لا أزال أفكر في المدينة عندما سمعت صوت كلبتنا وردة وهي تنبح منبهة لنا بقدوم أناس جدد إلى القرية. خرجت بلهفة الخبر وإذا بدراجته النارية الحمراء التي يستعملها أخي علاء وخلفه أبي الذي يحمل في يديه أكياس طالما انتظرناها ساعات وأياماً طويلة! يا للفرحة! ازدادت حيوية البيت كله بسرعة فائقة. وبينما كان أبي يهم بالدخول إلى البيت كنت أتمسك بيديه وأقبلهما سائلاً إياه إن كان قد أتى لي بالبنطال والحذاء أملاً: "هل أتيت لي بهما يا أبي؟ أخبرني بالله عليك!" وبينما كان السؤال يتكرر على لساني مرة بعد أخرى، وأنتظر الرد بشوق، لم يكن أبي يعيرني أي انتباه، بل إنه لم يكن ينظر باتجاهي البتة!
لا أستطيع أن أصف مدى الانكسار القلبي الذي عشته في تلك اللحظة!

تداخلت في ذهني أمور شتى ومبعثرة. كنت أحاول أن أتخيل كيف سيواجهني غداً خيرو وشيخو ببناطيلهم الجديدة وأحذيتهم الجلدية اللامعة وأنا بهذا البنطال القديم المرقع وهذا الحذاء البلاستيكي القديم! كيف يمكنني أن أتطلع في وجوههم وأنا في هذا الحال؟ آه يا شيخو آه! أتريد أن تتمصخر مني وأنت كسلان صفنا الوحيد! حسناً يا شيخو، غداً سأريك كيف تتمصخر من شطار الصف بألبستك الجديدة! حسناً، غداً سأريك… سأحطمك وأمزق ثيابك الجديدة وأبصق عليك وعلى حذائك! غداً سترى كل شيء… اللعنة عليك يا سافل!

كل ذلك كان يدور في فلك فكري الصغير، وتنتابني موجات عاطفية عارمة، أشبه ما تكون كموجات مياه البحر الهائجة! وأبي لا يأبه بي وبحالتي تلك البتة! كان يكتفي بالرد على أسئلة الكبار الذين كانوا يسألونه عن كل شاردة وواردة في المدينة. لحظات ثقيلة جداً مرت علي آنذاك.

بعدها سارعت بالالتحاق بأمي التي كانت قد توجهت وقتها إلى الغرفة الأخرى لتتأمل في الأكياس وترى ما أتى به أبي من المدينة. قوة فضولي دفعتني إلى أن أجسّ الأكياس قبل أن تفتحها أمي لأعلم ما بداخلها. فتحت أمي الأكياس… كانت هناك أغراض كثيرة: ثوب لأمي وآخر لأختي الوحيدة زوزان… قميص لنصري وجاكيت لسيف… ثم بنطالي! يا إلهي ما أجمله! فلتذهب إلى الجحيم يا شيخو الحسود! إنه جميل حقاً ولكن أين الحذاء يا أمي؟ لم تبال أمي أبداً بسؤالي هذا. وعندما كررت السؤال في عناد واضح ردت علي مستنكرة سؤالي عن الحذاء:

"وماذا تعمل بالحذاء يا ولدي؟ عندك حذاء وهذا بنطال جديد وهما كافيان لك في العيد. لا تنسَ أننا فقراء يا ولدي!"

اللعنة على الفقر! وما شأني أنا والفقر إن كنتم أنتم فقراء! أنا أريد فقط حذاء! فقط حذاء يا أمي! لكن الجواب لم يأتني قط! ثم ماذا يفيد الجواب والمدينة بعيدة وغداً سيكون العيد!

كم كان حزني شديداً في تلك اللحظة التي لم يمضِ على فرحتي بالبنطال أكثر من ثوان! آه كم أنت قصيرة في حياتي يا لحظات الفرح! وكم أنت طويلة يا لحظات التعاسة! يا للحظات الحزن! نزلت دموعي هادئة حارة حيث أخذت مكاني في زاوية البيت، أتنهد عميقاً! ومع ذلك لا أحد يسأل عني في البيت! كل واحد مشغول بنفسه… أبي، أمي، إخوتي… لا أحد يسأل عني فالجميع على ما يبدو تعود على عاداتي هذه.

"إنه طفل ومن عادة الأطفال أن يبكوا ويزعلوا. سيمر وقت قليل ثم يعود إلى رشده." هكذا يقولون دائماً عني. ففي الأمس كانت مشاجرتي معهم بشأن الدفاتر، ومنذ يومين كانت مشاجرتي معهم بشأن محفظة الكتب التي لم أحصل عليها إلى الآن، بعد ما كان أبي يقول لي إن ترفعت إلى الصف الثالث بدرجة فسوف أشتري لك محفظة جيدة وحلوة لكتبك.

ولكنه لم يفِ بوعده وأنا الآن في الصف الرابع. والآن يقول لي إن انتهيت من الصف الرابع سأشتري لك المحفظة. وربما غداً سيقول لي متى انتهيت من الصف الخامس… إنني لم أعد أثق به أبداً، فهو يعدني في كل سنة بأنه سيشتري لي أشياء وأشياء إذا ما حصلت على الدرجة الأولى في صفي ولكنه لا يفي قط بوعوده، في حين أنني لم أخلف بأي وعد إلى الآن. دائماً يقوم هو بتأجيل وعوده من سنة إلى أخرى، وأنا أركض وراءها كما الركض وراء السراب!

ليس أبي فقط، لم أعد أثق بأحد في البيت البتة ولم تعد لي رغبة في الدراسة أيضاً، مع أنني كنت أحبها كثيراً. فهي فرصتي الوحيدة كي أقوي معارفي وأثبت نفسي للجميع. نعم، فمنذ أيام جاء أستاذ المدرسة إلى بيتنا ولا زلت أذكر كيف كان يتحدث إلى أبي عن شطارتي في المدرسة ويمدحني أمام أهل القرية! كان الأستاذ يمرر يده على رأسي برفق ويذكّر أبي وينبهه على أن يراعيني جيداً، قائلاً له: "اعتنِ به جيداً، فإنني أتنبأ له بمستقبل باهر…". لم أكن أفهم ما يقوله الأستاذ جيداً، غير أنني كنت أرتاح لحديثه وأتنفس الصعداء مرفوع الرأس أمام كل الطلاب والمعارف. أستطيع أن أقول إن الدافع الوحيد الذي جعلني أتابع دراستي باهتمام هو موقف أستاذي هذا الذي لم أنسه إلى الآن ولن أنساه مدى حياتي!

ولم يكن الصبح بعيداً ولا يوم العيد! عندما بدأت الشمس بالبزوغ كان على الجميع أن يحضر نفسه للعيد… هذا هو اليوم الذي ننتظره سنة كاملة لنحتفل به ونفرح سوياً وندع كل خلافاتنا وكل ما هو مزعج جانباً.

الكل كان ينتظر العيد في بهجة لا توصف. فالعيد هو يوم الفرح الوحيد في حياتنا الشاقة في القرية، وهو اليوم الوحيد الذي له معنى في حياة القرية وفي حياتنا نحن الأطفال أيضاً. لكنني لم أكن على ما يرام ولم أكن فرحاً أيضاً. لا بهجة لي في هذا اليوم ولا سعادة تذكر، بل كنت حزيناً أهرب من مواجهة الجميع وأختبئ في الزوايا لأتجنب أي لقاء مع الأولاد. كنت أفضل الجلوس في الأمكنة التي يجلس فيها الكبار، نظراً لأنهم لم يكونوا يتحدثون عن اللباس ولا عن الأحذية الجديدة ولا عن…
بل كانوا دائماً ما يتحدثون عن الزراعة والأغنام والأمور الفارغة ويستمتعون بالأحاديث إلى المساء.

وفي المساء كان الجميع يقول بأن العيد ذهب سريعاً. غير أن يوم العيد بالنسبة لي كان أطول يوم في حياتي، بل ربما تمنيت في كثير من اللحظات ألا يكون هناك عيد أبداً. ذلك أنه كان سيكون أفضل لي. فالعيد ليس لأمثالي الذين لا يستطيعون لبس حذاء جديد، بل للذين يرتدون الملابس الجديدة والأحذية الجلدية اللامعة وأصحاب الجناتي والدفاتر الحلوة وأقلام الحبر! العيد هو لأمثال خيرو وشيخو… ومع ذلك كنت متأكداً من أنه سيأتي يوماً وأكون فيه سعيداً جداً أكثر من سعادة يوم العيد هذا، لكنني وقتها سأكون قد تركت الطفولة وراءي بعيداً…

+++

شكرا للمتابعة ولقراءة نصوصنا.
كي نكمل رسالتنا الرجاء دعم عملنا بمبلغ 
لمرة واحدة، او شهرياً، او سنوياً عبر احد اشتراكاتنا.
للاطلاع على كل ما تنشره ليتيراتور ريفيو ، نرجو الاشتراك في نشرتنا الإخبارية هنا!

يمكن تنزيل النص الأصلي باللغة الكردية من هنا: