منفى النظرة
Anansiنيلا ماتوك | ليلى وخالد | دار أنانسي للنشر | 264 صفحة | 26.99 دولار كندي
لا يبدأ الاستعمار فقط عند احتلال الأراضي أو تغيير الحدود. بل يبدأ قبل ذلك، وتحديداً في اللحظة التي يتعلم فيها الناس رؤية العالم من خلال صور الآخرين. وهذا النوع بالذات من الاستعمار هو ما تتناوله رواية «ليلى وخالد» للكاتبة نيلا ماتوك. ظاهريًّا، روايتها هي قصة باحثة سينمائية فلسطينية-كندية تزور أرض أجدادها للمرة الأولى وتقع هناك في حب شاب فلسطيني. لكنها في الواقع تتناول موضوعًا أعمق: تجربة إدراك أن حتى الشوق إلى العودة يتأثر بالفعل بالتنشئة الثقافية التي عاشتها خارج فلسطين. لذلك، فإن المنفى ليس الموضوع الحقيقي للرواية، بل السؤال عما يتبقى من المنفى في نظرة المرء إلى العالم.
تختلف رواية «ليلى وخالد» عن جزء كبير من أدب الشتات الفلسطيني. فقصص هذا الأدب غالبًا ما تدور حول الذاكرة، أو التقاليد العائلية، أو اللغة باعتبارها الملاذ الأخير للاستمرارية الثقافية. أما ماتوك، فتهمها العملية العكسية. فروايتها لا تصف كيف تُحفظ الهوية عبر الأجيال، بل كيف تتحول تدريجيًا في ظل ظروف الهجرة. صحيح أن ليلى تسافر إلى فلسطين، لكنها لا تعود إلى عالم مألوف. إنها تدخل مكانًا تعرف تاريخه السياسي، لكن قواعده الثقافية ظلت غريبة عنها إلى حد كبير.
هنا بالذات تكمن الجرأة الدقيقة للغاية التي تتسم بها الرواية. فماتوك تنقل النظرة الاستعمارية من الإطار المألوف للمحتلين ومن تحت الاحتلال إلى منظور راوية الرواية نفسها. ليلى ليست غريبة، لكنها ليست عائدة إلى الوطن أيضًا. تتنقل في القدس والضفة الغربية بنمط إدراك خاص بمثقفة أمريكية شمالية، تستمد إحداثياتها الجمالية والثقافية بشكل شبه حصري من التقاليد الغربية. ولذلك، فإن كون المستوطنين الإسرائيليين الشباب، على وجه التحديد، يبدون لها في البداية أكثر ألفة من الفلسطينيين أنفسهم، يعد من أكثر الملاحظات إثراءً في الرواية. فهي لا تصف المستوطنين الشباب في المقام الأول كخصوم أيديولوجيين، بل كأشخاص تبدو ملابسهم وسلوكياتهم ولغة أجسادهم واضحة لها بشكل مباشر: قمصان رياضية أمريكية، أحذية «بيني لوفر»، سراويل «تشينو» بألوان الباستيل – علامات مألوفة للحياة اليومية في أمريكا الشمالية، التي تفهم رموزها بشكل حدسي. أما الغربة الحقيقية فتنبع من تلك الأرض التي تعود إليها أصولها.
وتستخلص ماتوك من ذلك رؤية بسيطة وواسعة النطاق في آن واحد: الشتات لا يعني بالضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية. بل يمكن أن يعني استبدالها أيضًا. فالأصل يبقى حقيقة سيرة ذاتية، في حين أن فئات إدراكها قد تغيرت منذ زمن بعيد. لا تدرك ليلى فلسطين بشكل مجزأ فقط بسبب افتقارها إلى الخبرة التاريخية. بل تدركها بشكل مجزأ لأن نظرتها تنتمي بالفعل إلى نظام ثقافي آخر.
لذلك، فليس من المستغرب أن تجعل ماتوك راوية روايتها عالمة سينمائية على وجه التحديد. فهذه المهنة هي أكثر بكثير من مجرد زخرفة سيرة ذاتية. إنها تشكل المفتاح البويتي للرواية بأكملها. تقرأ ليلى الواقع بشكل أساسي كصورة. وقد لاحظت منذ وقت مبكر أن الاستعارات الأدبية المتعلقة بالضوء قد فقدت جاذبيتها بالنسبة لها، في حين احتفظ ضوء السينما بقوته الإيحائية. ففي قاعة السينما المظلمة، كما تكتب، يختفي الإحساس بالجسد خلف قوة العرض. ولا يصف هذا الفكر تفضيلاتها الجمالية فحسب، بل يصف طريقتها في تجربة العالم.
منذ تلك اللحظة، تظهر الإشارات السينمائية العديدة في ضوء مختلف. فويندرز، أو ريسنايس، أو فينسنت مينيلي لاحقًا، لا يمثلون مجرد اقتباسات أكاديمية لراوية مثقفة. بل يشكلون أرشيف الإدراك الذي تستطيع ليلى من خلاله فك رموز حاضرها في المقام الأول. لا تظهر فلسطين لها في البداية بشكل مباشر، بل كسلسلة من الصور المألوفة. لذلك، فإن العودة تتم، بشكل متناقض، عبر مرجعيات تاريخ السينما والفن الغربي. وهنا بالذات تكمن المأساة الحقيقية للرواية. تبحث ليلى عن أصل ضائع، لكنها لا تملك سوى الأدوات الجمالية لتلك الثقافة التي فصلها هذا الأصل عنها ذات يوم.
الحب كشكل من أشكال المعرفة
في ظل هذه الخلفية، تتغير وظيفة قصة الحب بشكل جذري أيضًا. فـ«ليلى وخالد» ليست رواية رومانسية بقدر ما هي رواية عن كيفية تغيير القرب لمنظور المرء. ولذلك، فإن خالد ليس الشخصية الرئيسية الفعلية في الرواية. فهو يظل غامضًا بشكل مدهش على مدى أجزاء كبيرة من الرواية. يتعرف القارئ على أجزاء من سيرته الذاتية: عمله الصحفي، ونشاطه كمترجم، وفترات سجنه، وطبيعية تعامله مع الحياة اليومية التي تشكلها الاحتلال، لكن ماتوك لا تهتم كثيرًا بتطوره النفسي. بل إن الرواية تروي بالأحرى التآكل البطيء لتلك اليقينيات التي جاءت ليلى بها إلى فلسطين. ولذلك فإن البطل الحقيقي للرواية ليس خالد، بل نظرة ليلى.
ومن الجدير بالذكر أن عملية الإدراك هذه لا تنطلق من خلال النقاشات السياسية. صحيح أن الرواية تحتوي على العديد من المحادثات حول مصادرة الأراضي، والتهجير، ومنطق سياسة الاستيطان. إلا أن العنصر الحاسم ليس هذه المناقشات، بل لحظات القرب الجسدي التي تدرك فيها ليلى مدى ارتباط حياتها السابقة ارتباطًا وثيقًا بأفق تعليمي وتجريبي غربي. فقط من خلال خالد تبدأ في عدم اعتبار سيرتها الذاتية أمرًا مفروغًا منه.
وقد نجحت ماتوك في ذلك بشكل مثير للإعجاب بشكل خاص في المقاطع التي تستذكر فيها ليلى فترة دراستها في مونتريال. فالرجال الذين كانت تهتم بهم آنذاك كانوا ممثلين لتلك الأوساط الأكاديمية بالذات، التي كان فيها رأس المال الثقافي، والثقافة الأدبية، والتميز الجمالي هي العوامل التي تحدد المكانة الاجتماعية. وعندما تنظر إلى الوراء، لا ترى أن تقييمها لجاذبيتها دائمًا وفقًا لمعايير هذا العالم كان مجرد انعدام ثقة بالنفس، بل تعبيرًا عن نظام ثقافي لم تشكك قط في طابعه الحصري. فقط علاقتها بخالد هي التي تكشف مدى بديهية خلطها بين المعيار الغربي والشمولية. ولذلك، فإن إدراكها لاحقًا بأنها «لم تكن مدركة لما لم تكن مدركة له» لا يصف عملية تعلم سياسي بقدر ما يصف صدمة معرفية. ليست قناعاتها هي ما يتغير أولًا، بل تتغير الشروط التي تصدر أحكامها في الأساس.
ولهذا السبب بالذات، لا يُعد خالد شخصيةً تجسد وطنًا ضائعًا. فهو لا يُعيد ليلى إلى جذورها. بل إنه يوضح أن هذه الجذور لم تعد متاحةً بشكل مباشر منذ زمن طويل. ولا تنتهي الرحلة باستعادة الهوية الفلسطينية، بل بإدراك أن الأصل في حد ذاته ليس حالةً أولية يمكن العودة إليها ببساطة. ما تلتقي به ليلى في خالد ليس ماضيًا، بل حاضرًا لم تكن تنظر إليه حتى الآن إلا من مسافة آمنة.
في هذا السياق، يكتسب جانب آخر من الرواية، يبدو غير بارز في البداية، أهمية خاصة: فاللغة تفقد وظيفتها التقليدية كعلامة هوية. ففي أدب المنفى على وجه الخصوص، غالبًا ما تظهر اللغة الأم باعتبارها الملاذ الأخير للاستمرارية الثقافية. لكن ماتوك تتجاوز هذا الموضوع أيضًا. يتنقل خالد بطبيعة الحال بين العربية والعبرية والإنجليزية؛ ويعكس تعدد لغاته الواقع السياسي لحياة يومية أصبحت فيها الترجمة ممارسةً للبقاء على قيد الحياة. أما ليلى، فهي تمتلك الانتماء العرقي، لكنها لا تمتلك نفس السلاسة اللغوية. فالأصل واللغة ينفصلان عن بعضهما.
ومن الجدير بالذكر أن ماتوك لا تضفي طابعًا عاطفيًّا على هذا الفقدان. فهي لا تُجسّد اللغة العربية على أنها اللغة الأصلية المفقودة، ولا تُجمّل التعددية اللغوية باعتبارها يوتوبيا عالمية. بل تظهر اللغة بالأحرى كتعبير عن علاقات القوة التاريخية. يتحدث خالد العبرية لأن الاحتلال يفرض ذلك. وهو يتقن الإنجليزية لأن التواصل الدولي يكاد يكون مستحيلاً بدونها. إن كفاءته اللغوية ليست علامة على الحرية الثقافية، بل نتيجة لضرورة سياسية. وهذا بالذات ما يبرز مدى الاختلاف في الطريقة التي نشأ بها كل من الشخصيتين. فليلى هي ابنة الشتات، الذي تتشكل علاقته بفلسطين بشكل أساسي من خلال الذاكرة. أما خالد، فيجسد حاضرًا يتعين فيه إعادة التفاوض حول التاريخ يوميًا.
وهنا تكشف الرواية عن أقوى جوانبها السردية. فهي لا تهتم بالهوية كفئة ثابتة، بل بالظروف التي أدت إلى نشأتها. لذلك، لا يغير خالد ليلى لأنه يقدم لها إجابات. بل يغيرها لأن مجرد وجوده يسلط الضوء على مدى إشكالية ذلك النظام الثقافي الذي كانت تفهم نفسها من خلاله حتى الآن. وتستمد قصة الحب أهميتها بالذات من أنها لا تقدم أي حل. إنها تكتفي بإظهار المدى الذي ابتعدت فيه الراوية بالفعل عن ذلك العالم الذي تعتقد أنها تتوق إليه.
حدود الأدب
ولأن رواية ليلى وخالد تحافظ على قدر كبير من ضبط النفس على مدى أجزاء واسعة منها، فإن المقاطع التي تبدأ فيها الرواية في التعبير صراحةً عن مواقفها السياسية تلفت الانتباه بشكل أكبر. وعلى وجه الخصوص، تظل شخصية «دوف فايس» أقرب إلى بناء حججي منها إلى شخصية أدبية. صحيح أن صراعه مع «خالد» داخل الرواية يؤدي وظيفة مفهومة؛ فهو يسلط الضوء على العنف التاريخي الذي يشكل الخلفية لكل لقاء شخصي. لكن هنا بالذات يتغير طابع النص. فالحجة السياسية تحل محل الانفتاح السردي.
وينطبق الأمر نفسه على رسالة خالد المفتوحة، التي تجمع بين الاتهام الشخصي، والتصفية التاريخية، والجدل الصحفي. ومن الناحية الموضوعية، يصعب إنكار هذا الغضب. فهو نابع من تجربة التشرد والحرمان من الحقوق، التي صورتها الرواية من قبل بوضوح كافٍ. لكن من الناحية الأدبية، ينشأ عدم تناسق غريب. ففي حين تطور ماتوك التحركات الداخلية لليلى بدقة نفسية كبيرة، يقتصر المنظور الإسرائيلي إلى حد كبير على وظيفته الجدلية. تتوقف الشخصيات عن كونها حاملة لتصورات مختلفة؛ وتبدأ في تمثيل مواقف.
وربما يكمن في هذا بالذات الضعف الحقيقي الوحيد للرواية. ليس لأن الأدب يجب أن يتجنب الصراعات السياسية. بل على العكس تمامًا. تُظهر رواية «ليلى وخالد» بشكل مثير للإعجاب كيف تتغلغل السياسة بشكل طبيعي في أعمق جوانب العلاقات الإنسانية. بل تصبح هذه المقاطع إشكالية بالأحرى عندما تفقد الرواية ثقتها بقوتها السردية. فقد كانت ماتوك في السابق قد أظهرت علاقات القوة بشكل شبه عفوي: في أنماط الملابس، والتغيرات اللغوية، وغرف الفنادق، ورحلات السيارات، أو النظرات إلى المناظر الطبيعية التي لم يكن من الضروري أبدًا ذكر تاريخها السياسي لتكون حاضرة. وهذه «الاقتصادية السردية» بالذات هي ما تجعل الرواية قوية. وحيثما يتم استبدالها بتفسيرات صريحة، يفقد النص ذلك التناقض الذي يميز مشاهده الأكثر إثارة للإعجاب.
ومع ذلك، من الجدير بالذكر أن هذه النقطة الضعيفة لا تمس الموضوع الفعلي للرواية. فاهتمام ماتوك لا ينصب في النهاية على الحوار بين روايتين سياسيتين. وعلى عكس كتاب مثل أموس أوز في تحفته قصة حب وظلام، فهي لا تبحث عن فضاء أدبي للتفاهم المتبادل. تركز روايتها على فراغ آخر: على تجربة الشتات الذي لم تعد علاقته بالوطن المفقود تحددها الذكريات المباشرة، بل الوساطة الثقافية. ولهذا السبب بالذات، يبدو اللقاء مع خالد أقل من كونه تحقيقًا رومانسيًّا للحب غير التقليدي بين امرأة أكبر سنًّا ورجل أصغر سنًّا، وأكثر من كونه مواجهة مع حدود الإدراك الذاتي.
وبالتالي، ترفض ماتوك أيضًا أي شكل من أشكال التنفيس العاطفي. تُسرّع الجائحة من الوداع وتجعل من اللقاء حدثًا لا يمكن تكراره. تعود ليلى إلى كندا دون أن تكون رحلتها قد أتمت دورة كاملة. لم يُحل شيء، ولم يُسترد شيء. يبقى الحب مجرد حلقة، وتبقى فلسطين حاضرًا وماضيًا في آن واحد.
لذلك، فإن الإشارة السردية الأخيرة إلى فيلم آلان رينيه «هيروشيما حبي» تكتسب أهمية خاصة. إن استيعاب ليلى لانفصالها، على وجه التحديد، من خلال فيلم فرنسي عن الذاكرة والحرب واستحالة العودة، هو أكثر بكثير من مجرد إشارة سينمائية أنيقة. إنه يشكل النتيجة المنطقية للبناء الروائي بأكمله. حتى في المكان الذي تعتقد أنها أقرب ما تكون فيه إلى أصولها، تلجأ إلى صور تقاليد ثقافية أخرى. لقد غيّرت الرحلة نظرتها، لكنها لم تلغِ المقدمات التي بنيت عليها.
وهنا بالذات يكمن الإنجاز الحقيقي لهذه الرواية الرائعة. لا تحكي ليلى وخالد قصة العودة إلى فلسطين. بل تستكشف الرواية بالأحرى الشروط التي يمكن في ظلها أن تكون مثل هذه العودة ممكنة أصلاً. فالمنفى هنا لم يعد يظهر كحالة جغرافية، بل كشكل من أشكال الإدراك. ولا ينتهي الأمر لا بدخول الأرض المفقودة ولا بلقاء شخصين يحملان في داخلهما نفس القصة بطرق مختلفة. بل يستمر في النظرة التي يُنظر بها إلى هذه الأرض. ولعل نيلا ماتوك تُعبِّر بذلك عن إحدى أكثر الرؤى غرابة في أدب الشتات المعاصر: فليس البعد الأكبر هو ما يفصلنا عن أصولنا، بل الصور التي تعلمنا من خلالها أن ننظر إليها.
Hat Ihnen dieser Text gefallen? Dann unterstützen Sie doch bitte unsere Arbeit einmalig oder monatlich über eins unserer Abonnements. Wir würden uns freuen!
Wollen Sie keinen Text mehr auf Literatur.Review verpassen? Dann melden Sie sich kostenlos für unseren Newsletter an!